جلال الدين السيوطي
526
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
سيبويه إلى كتبه وهي هباء ، فغشي عليه أسفا ، ثم أفاق فطلّقها ، ثم ابتنى الكتاب بعد ذلك ثانية . قال لنا أبو علي : وذهب منه علم كثير أخذه عن الخليل فيما احترق له ، وإنا لله على ذلك . انتهى . قال العلماء « 1 » : وفد سيبويه إلى بغداد على يحيى البرمكيّ ، فجمع بينه وبين الكسائيّ للمناظرة بحضور سعيد بن مسعدة الأخفش ، والفرّاء ، والأحمر ، فلما جلس قال له الكسائيّ : كيف تقول يا بصري : خرجت فإذا زيد قائم ؟ قال : خرجت فإذا زيد قائم . قال : أفيجوز أن يقال : خرجت فإذا زيد قائما ؟ فقال : لا . قال الكسائيّ : فكيف تقول : قد كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور ، فإذا هو هي ، أو هو إيّاها ؟ فقال سيبويه : فإذا هو هي ، ولا يجوز النصب . فقال الكسائيّ : لحنت . وخطّأه الجميع . وقال الكسائيّ : العرب ترفع ذلك كلّه وتنصبه . فقال يحيى : قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما ، فمن يحكم بينكما ؟ فقال الكسائيّ : هذه العرب ببابك قد جاءوا من كلّ أوب ، ووفدوا من كلّ صقع ، وهم فصحاء الناس ، وقد قنع بهم أهل المصرين ، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم ، فيحضرون ويسألون . فقال يحيى : أنصفت . وأمر بإحضارهم ، فدخلوا ، وفيهم أبو فقعس ، وأبو زياد ، وأبو الجرّاح ، وأبو ثروان ، فسئلوا ، فاتبعوا الكسائيّ ، وقالوا بقوله . فقال يحيى لسيبويه : قد تسمع . فاستكان سيبويه ، فقال : أيّها الوزير ، سألتك بالله إلا أمرتهم أن ينطقوا بذلك ، فإنّ ألسنتهم لا تجري عليه ، وإنّما كان العرب قالوا الصواب ما قاله هذا الشيخ . ثم إنّ الكسائيّ أقبل على يحيى ، وقال : أصلح الله الوزير ، إنّه قد وفد عليك من بلده مؤمّلا معروفك ، فإن رأيت ألا تخيّبه . فأمر له بعشرة آلاف درهم . وصيّر وجهه إلى فارس . قال السخاويّ « 2 » في سفر السعادة : فإذا هو هي بالرفع لا يجوز غيره ، كما تقول :
--> ( 1 ) انظر تفصيل المناظرة وتحليلها في : مجالس العلماء ( الزجاجي ) : 8 - 10 . سفر السعادة : 2 / 549 - 569 . مغني اللبيب : 1 / 179 - 183 . الأشباه والنظائر : 5 / 31 - 34 . ( 2 ) سفر السعادة : 2 / 561 - 562 .